ابوحمد الشامري
01-22-2005, 03:02 AM
مقارنة ادبية بين شعراء الاطلال والمنازل( ابن لعبون & وذو الرمة )
هذه دراسة بسيطة ومختصرة على الادب الشعري لكل من الشاعرين ( ذو الرمة ) ( وابن لعبون ) ارجوا من الله العلي القدير ان يكون التوفيق طريقي في طرح هذا العمل الادبي.
عند إطلاعي لقصائد الشاعرين الكبيرين رأيت ان هناك امور متجانسة احببت ان اجعلها كمقارنة أدبية بين هذين الشاعرين :
اولا:
طغيان اللقب على اسم الشاعر:
ذو الرمة :
ذو الرمة : لقب غلب عليه واسمه ( غيلان بن عقبة بن مسعود ) من بني عدي بن عبد مناة . وأمه ( ظبية بنت عبيد أو بنت مصعب ) من بني أسد. وإخوته لأبيه وأمه : ( مسعود ) و ( هشام ) و ( جرفاس ) وكلهم شعراء ، وكان هشام من عقلاء الرجال. وخاله أبو جِنّة الاسدي ( حكيم بن عبيد او بن مصعب ) وكان شاعراً. وابن عمه ( اوفى بن دلهم العدوي ) وهو أحد من يروى عنهم الحديث وكان رجلاً صالحاً. وصاحبته ( مي ) بنت عاصم بن طلبة بن قيس بن عاصم المنقري التميمي. وجدها قيس بن عاصم هو الذي قال فيه رسول الله : هذا سيد أهل الوبر.ثم شبَّب - تغزل - ذو الرمة بخرقاء العامرية ليكيد بها ( مَيَّة ) وذلك قبيل وفاته بقليل ثم نزع الى صاحبته حتى مات.
ابن لعبون :
ابن لعبون : لقب غلب عليه واسمه ( محمد بن حمد بن محمد بن لعبون المدلجي الوايلي. من قبيلة عنزة.
هذا الشاعر يعتبر بين الشعراء الذين ياتون في الطليعة وممن يسمح لهم في الجلوس على القمة .. ونرى ذلك ابداعه في قصائده وكأنه يسير على خطى المتنبي حتي قيل عنه: جميع الشعراء غير ابن لعبون يلعبون.
واابن لعبون كجرير في دقة ألفاظه ونفاذ طعناته فهو يحز على المفصل.
سبب اطلاق هذه الالقاب على هذين الشاعرين :
ذو رمة : قيل ان ذو الرمة كان اول لقاء له مع محبوبته( مي ) عند بئر ماء فكان يحمل على عاتقه حبلا من جلد فقالت له اسقي لنا يا ذو الرمة والرمة في لغة العرب: هو الحبل يشدُّ في عنق البعير.
ابن لعبون : سبب هذه التسمية ان احد اجداد الشاعر الكبير محمد بن لعبون كان كثير سيلان اللعاب فأطلق عليه لقب ( لعبون ) فكان الشاعر محمد بن حمد يطلق عليه لقب جده الذي عرف به وهو ابن لعبون.
تنقل الشاعرين من شبه الجزيرة الى ارض العراق :
ذو الرمة : كان نزوح ذو رمة من دياره بني عدي في نجد الى بلاد بني منقر بين البصرة والكوفة حيث ديار محبوبته ( مي ) ولم يزل يتردد بين ديار ( مي ) في بلاد منقر وبين دياره في بلاد بني عدي. فتجلوأرض الحضر وحديث أهلها بعض ما في نفسه من جفاء البادية. حتى اذا لجَّ به هواه الى بلاد
( مي ) ينظر الديار بعينين ظامئتين فإذا خفَّ ما به انقلب الى أهله يحادث بينهم قلبه.
ولا يزال يردد ذكر مي حتى عرف بها وعرفت به كالشاعر ابن لعبون مع محبوبته ( مي ) ، ولم يكن ما به الا هوى فتى لفتاة هو عليها إن شاء قادر. فقنع بذكرها وحبها زمناً ، وجعلت عناصر المأساة تتجمع من هنا ومن هناك. وذو الرمة في اسفاره يتطرح بين البوادي والحضر يستزير طيف ( مي ) على البعد قد عمي عن فجاءات الغِير ! لم تلبث ( مي ) أن تزوجت أحد رجال قومها : ( عاصماً المنقري ) نسيت الغلام الذي عجبت منه والحب الذي كان بينهما !
ابن لعبون:
غادر ابن لعبون بلاد نجد الى الزبير في ارض العراق وعمره سبعة عشر عاماً وهو اميز لداته وأبناء جيله ثقافة لانه كان حافظاً للقرأن متقناً للخط متذوقاً للشعر العربي الفصيح.
وشعره شاهد على انه ملم بالمعلقات وبشعر المتنبي والمعري وغيرهم.
ولغته دليل على أنه ذو قراءة للتراث العربي الفصيح .. وكذلك مطالع قصائده التي يحاكي فيها الشعر الفصيح في بكاء الاطلال.
وقد تهيأت للشاعر محمد الفرصة للاطلاع على أمهات الكتب في التاريخ والادب التي تزخر بها مكتبة والده الشيخ حمد بن محمد بن لعبون فد ورد أنه جاء أباه في يوم من الايام فقال له : يا أبتِ لقد رأيت البارحة في المنام أنني أشرب بحراً ففسر له أبوه ذلك الحلم بأنه إما علم واسع أو شعر غزير فكان الاخير.
اقترن ابن لعبون في شعره باسم محبوبته ( مي ) فهو يذكرها في الحل والترحال وحاله كحال ذو الرمة مع ( مي ) التميمية .
ذكر ( مي ) والحنين الى الاطلال والمنازل والديار :
ذو الرمة:
ان حالت الحرمان التي وصل اليها الشاعرين ذو الرمة وابن لعبون عندما تزوجت ( مي ) محبوبة الشاعرين.
حيث يلجُّ الشوقُ بذي الرمة فيركب ناقته في ليلة ظلماء يريد أن يضيف- ينزل عليه ضيف - عاصما المنقري زوج ( مي ) وهو يطمع في ان لا يعرفه فيدخله بيته، فيريقه - يستضيفه - فيرى مياًّ اويتزود من وجهها ويكلمها فلما نزل به فطن له عاصم وعرفه فلم يدخله واخرج إليه قِراه - ما يقدم لضيف من اكل وشراب - وتركه في العراء فلمحته ( مي ) تحت الليل فعرفته . وجعل ذو الرمة يتململ فلما كان جوف الليل تغنى غناء الركبان ببعض شعره فقال :
أراجعـة يـا ( مـي ) أيامنـا التـي
( بذي الرمث ) أم لا ؟ ما لهن رجوعُ !
ولو لـم يَشُقنـي الظاعنـون لشاقنـي
حمـام تغنـى فـي الديـار وقــوعُ
تجاوبن فاستبكينَ من كـان ذا هـوى
نوائـح مـا تجـري لهـنَّ دمــوعُ
دعاني الهوى من نحو ( مي ) وشاقني
هوى من هواهـا : تالـد ونزيـع(1 )
إذا قلت عن طول التنائي قـد ارعـوى
أبــى مُنـثَـن(ن) عـلـيَّ رجـيـعُ
(1 ) تالد : القديم . النزيع : الذي ينزعه من مكانه الى من أحبّ يعني أن هواه متجدد.
فغضب عاصمٌ وقام الى امراته وقال : قومي فصيحي به وسبيه وقولي : أي أيام كانت لي معك ( بذي الرمث ) ؟ فأبت مي وقالت لزوجها : يا سبحان الله ! ضيف!! والشاعر يقول ! فانتضى عاصم سيفه وقال لها : لاضربنك بهِ حتى آتى عليك أو تقولي ! ففزعت وصاحت بذي الرمة وسبته كما امرها زوجها . هذا صوت مي !! ذهل ذو الرمة فلما استقر في سمعه كلامها نهض على راحلته فركبها وانصرف عنها وعن ديارها مغضباً يريد أن يصرف قلبه عنها الى غيرها وعاد الى ديار قومه مغيظاً يتمزق وابى على نفسه ذكر ( مي ) ... وهيهات.
وينصرف ذو الرمة عن لقاء ( مي ) وفي سمعه نغماتها وفي عيينه صورتها وفي قلبه هواها وفي روحه لذة خالدة تزداد على الايام عِتقاً ونفاذاً . فلئن أشقاه الحرمان بالرحيل فلشدّ ما اسعده أن وجدها . فهو بين اللذة والالم يتردد ، ولكنه في شجوٍ يطربه كما يحزنه ، ينال بأثريه في قلبه فرحة وجودها . لقد تزود منها نظرة وابتسامة وحديثاً. أنسته النساء وما فيهنَّ ، وصرفته الى طيف يُلمُّ به منها مضجعه ويعارضه في طريقه يناديه إذا خلا فيأتيه جواب دعائه من اعماقه ...
صوتها ، الحانها ، عيناها ، كل شيء رأه منها أ سمعه يستجيب لهُ . ولكن القدر يعدهُ ليلتقي من ( مي ) ما هو أعظم من الفرح بحبها ووجدانها فيتركه ينطوي عليها ويتسلى بها في خلوته فرحاً أن يزورها من عامهِ في ديار أهلها كما زارها من قبل . فيرجع الى ديار بني منقر لعامه هذا فيجد القوم قد ارتحلوا عن منازلهم ( بالوحيد ) ، فيقف على ديارها يسائل نفسه عن ( مي ) وأهلها وكذلك يعرف ذو الرمة منذ اليوم ما معنى الوقوف على الديار ، وما لذة مساءلة الاطلال يعرفها تجربة في قلبه لا معرفة من شعر من سبقه فإذا عاد الى دياره - مؤملا أن يعود الى ( مي ) فرحاً بما عرف من لذة الوقوف على اطلالها - قال :
هل تعرفُ المنزل َ ( الوحيدِ )
قَـفـراً مـحـاهُ الابـيـدِ ؟
والدهـرُ يُبلـى الجـديـدِ!!
............................
فإذا اتم تساؤله وعرف لذة ما كان فيهِ من موقفه هناك اجاب نفسه فقال :
نعم! فأنت اليـوم كالعمـود
من الهوى أو شَبَهُ المورودِ
يجيب نفسه مختالاً : نعم ثم يصرف القول كأنه يخاطب آخر غيره فيقول له متعجباً نعم : لقد عرفت فأنت في يومك هذا كالمريض الذي هَدَّه المرض فهو يُسنَد من جوانبه ليستوى أو مثل المحموم الذي وردتهُ حُمى هي ما وجدت في روحك من قشعريرة الشوق والذكرى . ثم يصرخ يناديها :
يا ميُّ! ذاتُ المبسمِ البَرودِ
بعد الرقادِ والحشا المخضودِ
والمقلتين وبياضِ الجيدِ
ولكنه يعود فيذكر حديثها إذا قالت له - وهي تصب الماء في قربتهِ - تلومه على ارتكاب السفر فيقول : يا ميُّ..
( اهلكتنا باللومِ والتفنيد )
أهلكتنا ! عجيب لذو الرمة كيف يرقّ ويقسو ولكنه يعود فيعتذر لنفسهِ عن ملامتها وتفنيدها . مسكين ! إنه يخاف عليها حتى في خلوته وشعره فيقول : هذا عذرها إنها :
رات شُحوبي ورأت تخديدي
من مُجحِفات زمن(ن) مِرِّيـد
نقّحن جسمي عن نُضار العود
بعد اهتزاز الغُصُـن الاملـود
هذه دراسة بسيطة ومختصرة على الادب الشعري لكل من الشاعرين ( ذو الرمة ) ( وابن لعبون ) ارجوا من الله العلي القدير ان يكون التوفيق طريقي في طرح هذا العمل الادبي.
عند إطلاعي لقصائد الشاعرين الكبيرين رأيت ان هناك امور متجانسة احببت ان اجعلها كمقارنة أدبية بين هذين الشاعرين :
اولا:
طغيان اللقب على اسم الشاعر:
ذو الرمة :
ذو الرمة : لقب غلب عليه واسمه ( غيلان بن عقبة بن مسعود ) من بني عدي بن عبد مناة . وأمه ( ظبية بنت عبيد أو بنت مصعب ) من بني أسد. وإخوته لأبيه وأمه : ( مسعود ) و ( هشام ) و ( جرفاس ) وكلهم شعراء ، وكان هشام من عقلاء الرجال. وخاله أبو جِنّة الاسدي ( حكيم بن عبيد او بن مصعب ) وكان شاعراً. وابن عمه ( اوفى بن دلهم العدوي ) وهو أحد من يروى عنهم الحديث وكان رجلاً صالحاً. وصاحبته ( مي ) بنت عاصم بن طلبة بن قيس بن عاصم المنقري التميمي. وجدها قيس بن عاصم هو الذي قال فيه رسول الله : هذا سيد أهل الوبر.ثم شبَّب - تغزل - ذو الرمة بخرقاء العامرية ليكيد بها ( مَيَّة ) وذلك قبيل وفاته بقليل ثم نزع الى صاحبته حتى مات.
ابن لعبون :
ابن لعبون : لقب غلب عليه واسمه ( محمد بن حمد بن محمد بن لعبون المدلجي الوايلي. من قبيلة عنزة.
هذا الشاعر يعتبر بين الشعراء الذين ياتون في الطليعة وممن يسمح لهم في الجلوس على القمة .. ونرى ذلك ابداعه في قصائده وكأنه يسير على خطى المتنبي حتي قيل عنه: جميع الشعراء غير ابن لعبون يلعبون.
واابن لعبون كجرير في دقة ألفاظه ونفاذ طعناته فهو يحز على المفصل.
سبب اطلاق هذه الالقاب على هذين الشاعرين :
ذو رمة : قيل ان ذو الرمة كان اول لقاء له مع محبوبته( مي ) عند بئر ماء فكان يحمل على عاتقه حبلا من جلد فقالت له اسقي لنا يا ذو الرمة والرمة في لغة العرب: هو الحبل يشدُّ في عنق البعير.
ابن لعبون : سبب هذه التسمية ان احد اجداد الشاعر الكبير محمد بن لعبون كان كثير سيلان اللعاب فأطلق عليه لقب ( لعبون ) فكان الشاعر محمد بن حمد يطلق عليه لقب جده الذي عرف به وهو ابن لعبون.
تنقل الشاعرين من شبه الجزيرة الى ارض العراق :
ذو الرمة : كان نزوح ذو رمة من دياره بني عدي في نجد الى بلاد بني منقر بين البصرة والكوفة حيث ديار محبوبته ( مي ) ولم يزل يتردد بين ديار ( مي ) في بلاد منقر وبين دياره في بلاد بني عدي. فتجلوأرض الحضر وحديث أهلها بعض ما في نفسه من جفاء البادية. حتى اذا لجَّ به هواه الى بلاد
( مي ) ينظر الديار بعينين ظامئتين فإذا خفَّ ما به انقلب الى أهله يحادث بينهم قلبه.
ولا يزال يردد ذكر مي حتى عرف بها وعرفت به كالشاعر ابن لعبون مع محبوبته ( مي ) ، ولم يكن ما به الا هوى فتى لفتاة هو عليها إن شاء قادر. فقنع بذكرها وحبها زمناً ، وجعلت عناصر المأساة تتجمع من هنا ومن هناك. وذو الرمة في اسفاره يتطرح بين البوادي والحضر يستزير طيف ( مي ) على البعد قد عمي عن فجاءات الغِير ! لم تلبث ( مي ) أن تزوجت أحد رجال قومها : ( عاصماً المنقري ) نسيت الغلام الذي عجبت منه والحب الذي كان بينهما !
ابن لعبون:
غادر ابن لعبون بلاد نجد الى الزبير في ارض العراق وعمره سبعة عشر عاماً وهو اميز لداته وأبناء جيله ثقافة لانه كان حافظاً للقرأن متقناً للخط متذوقاً للشعر العربي الفصيح.
وشعره شاهد على انه ملم بالمعلقات وبشعر المتنبي والمعري وغيرهم.
ولغته دليل على أنه ذو قراءة للتراث العربي الفصيح .. وكذلك مطالع قصائده التي يحاكي فيها الشعر الفصيح في بكاء الاطلال.
وقد تهيأت للشاعر محمد الفرصة للاطلاع على أمهات الكتب في التاريخ والادب التي تزخر بها مكتبة والده الشيخ حمد بن محمد بن لعبون فد ورد أنه جاء أباه في يوم من الايام فقال له : يا أبتِ لقد رأيت البارحة في المنام أنني أشرب بحراً ففسر له أبوه ذلك الحلم بأنه إما علم واسع أو شعر غزير فكان الاخير.
اقترن ابن لعبون في شعره باسم محبوبته ( مي ) فهو يذكرها في الحل والترحال وحاله كحال ذو الرمة مع ( مي ) التميمية .
ذكر ( مي ) والحنين الى الاطلال والمنازل والديار :
ذو الرمة:
ان حالت الحرمان التي وصل اليها الشاعرين ذو الرمة وابن لعبون عندما تزوجت ( مي ) محبوبة الشاعرين.
حيث يلجُّ الشوقُ بذي الرمة فيركب ناقته في ليلة ظلماء يريد أن يضيف- ينزل عليه ضيف - عاصما المنقري زوج ( مي ) وهو يطمع في ان لا يعرفه فيدخله بيته، فيريقه - يستضيفه - فيرى مياًّ اويتزود من وجهها ويكلمها فلما نزل به فطن له عاصم وعرفه فلم يدخله واخرج إليه قِراه - ما يقدم لضيف من اكل وشراب - وتركه في العراء فلمحته ( مي ) تحت الليل فعرفته . وجعل ذو الرمة يتململ فلما كان جوف الليل تغنى غناء الركبان ببعض شعره فقال :
أراجعـة يـا ( مـي ) أيامنـا التـي
( بذي الرمث ) أم لا ؟ ما لهن رجوعُ !
ولو لـم يَشُقنـي الظاعنـون لشاقنـي
حمـام تغنـى فـي الديـار وقــوعُ
تجاوبن فاستبكينَ من كـان ذا هـوى
نوائـح مـا تجـري لهـنَّ دمــوعُ
دعاني الهوى من نحو ( مي ) وشاقني
هوى من هواهـا : تالـد ونزيـع(1 )
إذا قلت عن طول التنائي قـد ارعـوى
أبــى مُنـثَـن(ن) عـلـيَّ رجـيـعُ
(1 ) تالد : القديم . النزيع : الذي ينزعه من مكانه الى من أحبّ يعني أن هواه متجدد.
فغضب عاصمٌ وقام الى امراته وقال : قومي فصيحي به وسبيه وقولي : أي أيام كانت لي معك ( بذي الرمث ) ؟ فأبت مي وقالت لزوجها : يا سبحان الله ! ضيف!! والشاعر يقول ! فانتضى عاصم سيفه وقال لها : لاضربنك بهِ حتى آتى عليك أو تقولي ! ففزعت وصاحت بذي الرمة وسبته كما امرها زوجها . هذا صوت مي !! ذهل ذو الرمة فلما استقر في سمعه كلامها نهض على راحلته فركبها وانصرف عنها وعن ديارها مغضباً يريد أن يصرف قلبه عنها الى غيرها وعاد الى ديار قومه مغيظاً يتمزق وابى على نفسه ذكر ( مي ) ... وهيهات.
وينصرف ذو الرمة عن لقاء ( مي ) وفي سمعه نغماتها وفي عيينه صورتها وفي قلبه هواها وفي روحه لذة خالدة تزداد على الايام عِتقاً ونفاذاً . فلئن أشقاه الحرمان بالرحيل فلشدّ ما اسعده أن وجدها . فهو بين اللذة والالم يتردد ، ولكنه في شجوٍ يطربه كما يحزنه ، ينال بأثريه في قلبه فرحة وجودها . لقد تزود منها نظرة وابتسامة وحديثاً. أنسته النساء وما فيهنَّ ، وصرفته الى طيف يُلمُّ به منها مضجعه ويعارضه في طريقه يناديه إذا خلا فيأتيه جواب دعائه من اعماقه ...
صوتها ، الحانها ، عيناها ، كل شيء رأه منها أ سمعه يستجيب لهُ . ولكن القدر يعدهُ ليلتقي من ( مي ) ما هو أعظم من الفرح بحبها ووجدانها فيتركه ينطوي عليها ويتسلى بها في خلوته فرحاً أن يزورها من عامهِ في ديار أهلها كما زارها من قبل . فيرجع الى ديار بني منقر لعامه هذا فيجد القوم قد ارتحلوا عن منازلهم ( بالوحيد ) ، فيقف على ديارها يسائل نفسه عن ( مي ) وأهلها وكذلك يعرف ذو الرمة منذ اليوم ما معنى الوقوف على الديار ، وما لذة مساءلة الاطلال يعرفها تجربة في قلبه لا معرفة من شعر من سبقه فإذا عاد الى دياره - مؤملا أن يعود الى ( مي ) فرحاً بما عرف من لذة الوقوف على اطلالها - قال :
هل تعرفُ المنزل َ ( الوحيدِ )
قَـفـراً مـحـاهُ الابـيـدِ ؟
والدهـرُ يُبلـى الجـديـدِ!!
............................
فإذا اتم تساؤله وعرف لذة ما كان فيهِ من موقفه هناك اجاب نفسه فقال :
نعم! فأنت اليـوم كالعمـود
من الهوى أو شَبَهُ المورودِ
يجيب نفسه مختالاً : نعم ثم يصرف القول كأنه يخاطب آخر غيره فيقول له متعجباً نعم : لقد عرفت فأنت في يومك هذا كالمريض الذي هَدَّه المرض فهو يُسنَد من جوانبه ليستوى أو مثل المحموم الذي وردتهُ حُمى هي ما وجدت في روحك من قشعريرة الشوق والذكرى . ثم يصرخ يناديها :
يا ميُّ! ذاتُ المبسمِ البَرودِ
بعد الرقادِ والحشا المخضودِ
والمقلتين وبياضِ الجيدِ
ولكنه يعود فيذكر حديثها إذا قالت له - وهي تصب الماء في قربتهِ - تلومه على ارتكاب السفر فيقول : يا ميُّ..
( اهلكتنا باللومِ والتفنيد )
أهلكتنا ! عجيب لذو الرمة كيف يرقّ ويقسو ولكنه يعود فيعتذر لنفسهِ عن ملامتها وتفنيدها . مسكين ! إنه يخاف عليها حتى في خلوته وشعره فيقول : هذا عذرها إنها :
رات شُحوبي ورأت تخديدي
من مُجحِفات زمن(ن) مِرِّيـد
نقّحن جسمي عن نُضار العود
بعد اهتزاز الغُصُـن الاملـود